فخر الدين الرازي
20
تفسير الرازي
المسألة الرابعة : قوله تعالى : * ( أوزعني ) * قال ابن عباس معناه ألهمني ، قال صاحب " الصحاح " أوزعته بالشيء أغريته به فأوزع به فهو موزع به أي مغرى به ، واستوزعت الله شكره ، فأوزعني أي استلهمته فألهمني . المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى حكى عن هذا الداعي أنه طلب من الله تعالى ثلاثة أشياء : أحدها : أن يوفقه الله للشكر على نعمه والثاني : أن يوفقه للإتيان بالطاعة المرضية عند الله الثالث : أن يصلح له في ذريته ، وفي ترتيب هذه الأشياء الثلاثة على الوجه المذكور وجهان : الأول : أنا بينا أن مراتب السعادات ثلاثة أكملها النفسانية وأوسطها البدنية وأدونها الخارجية والسعادات النفسانية هي اشتغال القلب بشكر آلاء الله ونعمائه ، والسعادات البدنية هي اشتغال البدن بالطاعة والخدمة ، والسعادات الخارجية هي سعادة الأهل والولد ، فلما كانت المراتب محصورة في هذه الثلاثة لا جرم رتبها الله تعالى على هذا الوجه . والسبب الثاني : لرعاية هذا الترتيب أنه تعالى قدم الشكر على العمل ، لأن الشكر من أعمال القلوب ، والعمل من أعمال الجوارح ، وعمل القلب أشرف من عمل الجارحة ، وأيضاً المقصود من الأعمال الظاهرة أحوال القلب قال تعالى : * ( وأقم الصلاة لذكري ) * ( طه : 14 ) بين أن الصلاة مطلوبة لأجل أنها تفيد الذكر ، فثبت أن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح ، والأشرف يجب تقديمه في الذكر ، وأيضاً الاشتغال بالشكر اشتغال بقضاء حقوق النعم الماضية ، والاشتغال بالطاعة الظاهرة اشتغال بطلب النعم المستقبلة ، وقضاء الحقوق الماضية يجري مجرى قضاء الدين ، وطلب المنافع المستقبلة طلب للزوائد . ومعلوم أن قضاء الدين مقدم على سائر المهمات ، فلهذا السبب قدم الشكر على سائر الطاعات ، وأيضاً أنه قدم طلب التوفيق على الشكر ، وطلب التوفيق على الطاعة على طلب أن يصلح له ذريته ، وذلك لأن المطلوبين الأولين اشتغال بالتعظيم لأمر الله ، والمطلوب الثالث اشتغال بالشفقة على خلق الله ، ومعلوم أن التعظيم لأمر الله يجب تقديمه على الشفقة على خلق الله . المسألة السادسة : قال أصحابنا إن العبد طلب من الله تعالى أن يلهمه الشكر على نعم الله ، وهذا يدل على أنه لا يتم شيء من الطاعات والأعمال إلا بإعانة الله تعالى ، ولو كان العبد مستقلاً بأفعاله لكان هذا الطلب عبثاً ، وأيضاً المفسرون قالوا المراد من قوله * ( أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي ) * هو الإيمان أو الإيمان يكون داخلاً فيه ، والدليل عليه قوله تعالى : * ( إهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم ) * ( الفاتحة : 6 ، 7 ) والمراد صراط الذين أنعمت عليهم بنعمة الإيمان وإذا ثبت هذا فنقول العبد يشكر الله على نعمة الإيمان ، فلو كان الإيمان من العبد لا من الله لكان ذلك شكراً لله تعالى على فعله لا على فعل غيره ، وذلك قبيح لقوله تعالى : * ( ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا ) * ( آل عمران : 188 ) فإن قيل : فهب أن يشكر الله على ما أنعم به عليه فكيف يشكره على النعم التي أنعم